السيد عبد الله شبر

444

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

أقول : لا يخفى على العارف النحرير ، والمدقّق الخبير ، ما في هذه الأجوبة من التكلّف والتعسّف ، التمحّل والبعد ، والتحقيق في المقام على وجه لا يحوم حوله نقض ولا إبرام ، ولا يعتريه شوائب فاسد الأوهام ، أنّه لا يخفى على من تتبّع الأخبار ، وتصفّح الآثار ، وجاس خلال تلك الديار ، سالكاً سبيل الإنصاف ، مجتنباً طريق الاعتساف ، بأنّ المستفاد منها على وجه لا يزاحمه ريب ، ولا يعتريه شكّ ولا عيب ، أنّ من العلوم علوماً ربّانيّة ، وأسراراً ملكوتيّة ، وحقائق خفيّة ، وخفايا مزيّة ، غير ما في أيدينا من العلوم الرسميّة ، والأحكام الظاهريّة ، عزيزة المنال ، عديمة المثال ، دقيقة المدرك ، صعبة المسلك ، يصعب إليها الوصول ، وتقصر دون بلوغ كنهها العلماء الفحول . ولهذا خوطب أكثر الناس بالظواهر الجليّة ، دون الأسرار والغوامض الدقيقة الخفيّة ، وإنّما خصّ بها قوم دون آخرين ، ولو سمعها دون أهلها لأنكروها أشدّ إنكار ، وحكموا على معتقديها وقائلها باستحقاق النار ، والحشر مع الكفّار ، وهم لا يلامون في ذلك ، لقصور أفهامهم عن تلك المسالك ، فإنّما يكلّف اللَّه الناس ويداقّهم ويخاطبهم على قدر ما آتاهم من العقول . ويكفيك شاهداً على ذلك ، ومرشداً إلى ما هنالك ، ما نصّ عليه اللَّه العزيز الحميد في القرآن المجيد ، من قصّة موسى والخضر ، كيف أنكر عليه قتل الغلام وخرق السفينة وإقامة الجدار ، لمنافاة ذلك لظاهر الشريعة ، وكيف كان الحقّ مع الخضر لموافقة ذلك للحقيقة الحقيقيّة ، وكيف ألزم نفسه السكوت والتسليم ومع ذلك لم يستطع صبراً ، ونكّص إلى الإنكار ، والتشديد في إظهاره ، وسأتلو عليك جملة وافية من الأخبار ، وبلغة شافية من الآثار الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار ، عليهم صلوات اللَّه الملك الغفّار ، ما يرفع عنك هذا الاستبعاد ، ويهديك إلى طريق الرشاد . فمنها : ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله قال : « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلّاأهل المعرفة باللَّه ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلّاأهل الاغترار باللَّه عزّ وجلّ ، ولم يتحمّله إلّاأهل الاعتراف باللَّه ، فلا تحقروا عالماً آتاه اللَّه علماً ، فإنّ اللَّه تعالى لم يحقره إذ آتاه إيّاه » « 1 » .

--> ( 1 ) . رواه في كنز العمّال ، ج 1 ، ص 181 ، ح 28942 إلى قوله : « لم يجهله إلّاأهل الغرّة باللَّه » . ولم نعثر على تتمّة الحديث في المصادر الروائيّة .